|
ملفات خاصة - 27/09/2009 - 12:00 am
الحرب انهت صناعة البتروكيمياويات
محطات ولادة وانهيار الصناعة الوطنية
بغداد / الملف برس
مقدمة
بعض ما سيرد في هذا الملف يستند الى المعايشة القريبة للاحداث التي مرت على العراق منذ خمسينات القرن الماضي،وحتى يومنا هذا، والذي عصفت به التغيرات السياسية، والتي اطاحت ببنيته الاقتصادية تماما في منحى يأخذ اشكالاً حادة عند كل محاولة للتعاطي مع موارد البلاد وغالباً ما مع المورد الاساس النفط ِ
محطة اولى ملكية
منذ اوائل بدايات تأسيس الحكم الملكي اتجهت الادارة الاقتصادية الى تشجيع الصناعة الوطنية بإصدار التشريعات التي مازال قسم منها حيا او يحمل روحها في القوانين الجديدة، وملخص الخط العام توفير الحماية للصناعات الوطنية شريطة ان تكون الصناعة الوطنية وبما تطرحه من منتوجات ينافس بنوعيته المنتج الاجنبي ، فنشأت صناعات حازت، بما وفرته من انتاج مناسب للسوق العراقية، على رضا المستهلك العراقي ،ووفرت هذه التشريعات الحماية الصارمة للمنتوج الوطني وكمثال على ذلك الصناعات النسيجية، كما في عملاق هذه الصناعة (معامل نسيج فتاح باشا) ففي البدء كان يدعى معمل نسيج (العبّخانه) وهي أول مؤسسة بسيطة للصناعة أقامها المصلح العثماني مدحت باشا 1868-1871 في بغداد. وقبل أن يستعمل العراقيون لفظ (بطانية) الذي ساد بعد ثورة 1958الوطنية، كان البغداديون والبصراويون وربما الموصليون أيضا يسمون البطانية (بلانكيت blanket) وهي من المستوردات. وكان معمل فتاح باشا قد أتحف العراقيين بأعداد لا تحصى من (البلانكيتات) من نوع فتاح باشا ذات الجودة العالية، حتى كان العراق يصدر الفائض منها إلى الدول المجاورة في ذلك الزمن. والعراقي بكل إعزاز لم يكن يستعمل البطانيات الأجنبية لأنها كانت الأردأ قياسا ببطانيات فتاح باشا العراقية البغدادية علامة الجودة العراقية العالية بدون الرجوع إلى أي تقييس وسيطرة نوعية. ترى هل بقي لدينا شيئا من الجودة الآن؟! وكان سليمان فتاح باشا قبل أن يفتح معمله الشهير في بغداد معمل فتاح باشا الشهير للبطانيات العراقية ضابط مدفعية وصل إلى رتبة لواء في الجيش العراقي. لكنه كان في الوقت نفسه من افخر الصناعيين العراقيين في عصره،
ذهب فتاح باشا إلى ألمانيا عام 1926 وجلب لأول مرة معدات ومكائن نسيج مستعمله منها، وأقام معمله وسط بستان، و افتتحه الملك فيصل الأول بنفسه. فتعرّف البغداديون إلى صناعة النسيج من فتاح باشا حتى أصبح رمزا للصناعة الوطنية. ولم يتوقف فتاح باشا عن تقديم خدماته لوطنه كصناعي إذ أسس (شركة المنصور) التي قامت بإنشاء مدينة المنصور الحالية. وكانت تسير الخطط الاقتصادية في تشجيع القطاع الخاص الا انها شجعت فتح فروع للصناعات العالمية كما حدث مع صناعات مشروبات المياه الغازية وذلك بعقد القطاع الخاص صفقات امتياز لانتاج (الببسي كولا ) ثم اعقبها صناعة ( الكوكا كولا) العام 1950.. وربما كان معمل (باتا) لصناعة الاحذية والذي تحول فيما بعد الى الشركة العامة للصناعات الجلدية وبنفس مكانه في الكرادة، واحداً من المعاهد الصناعية التي وفرت صناع مهرة في هذا المجال ، وكان الانتاج فيها متيناً ورخيصاً يتناسب تنوع انتاجه الطبقات المتوسطة والفقيرة ،وصناعة السمنت العراقية تعد واحدة من الصناعات الرائدة في المنطقة وقد فاقت جودتها المنتج الاجنبي بل ان الشركات الاجنبية التي شاركت في عمليات بناء سد دربنخان والجسور ، هذه الصناعة تواجه كساد منتوجها بعد اعادة تأهيلها نتيجة اغراق سوق المواد الانشائية بالرديء والرخيص والذي يفضله (مقاولو هذه الايام).
محطة جمهورية
نتيجة ظروف كانت قاصرة النظر قامت ثورة تموز نتيجة التسويق الكبير لفكرة الوحدة العربية ومناهضة الاستعمار التي عمت الوطن العربي في أعقاب انتهاء الحرب العالمية ، وإغتصاب فلسطين، التي صار الكفاح من اجلها سلماً الى وصول شخصيات غير مؤهلة الى مراكز القيادة، وهنا في العراق ، ومنذ اليوم الأول للثورة في 14 تموز 1958 ادرك العاقلون اننا نسير الى الهاوية برغم ان الزعيم عبدالكريم قاسم واحد من اكثر القادة نزاهة وعفة شهد لها به اعداءه بل ومن شارك بتصفيته في انقلاب 8 شباط 1963. بعد ايام قليلة اصدرت الحكومة قرار بتسعير الخضر والفاكهة ، وكان قراراً ساذجاً قضى بتخفيض اسعارها الى الربع في كثير من سلعها .. فإختفت من الاسواق وظهر ما ندعوه (السرة) للحصول على حاجتك .. كذلك كانت بداية ظاهرة احتكار السلع لمن يدفع اكثر التي تنامت فيما بعد لتصير (الواسطة) اجراء لابد منه لكل ما يراد الحصول عليه من حاجيات حتى السجائر .. اضف الى ذلك ان أصحاب رؤوس الاموال الوطنية قد استشعروا الخطر لما رأوه من تصرف عدواني شعبيا ورسميا تجاه العائلة الملكية ورجالات السياسة الذين (سحلوا في الشوارع ) وأصحاب رؤوس الاموال وزعماء العشائر الذين ، وان شاب بعض اداراتهم نوع من القسوة في التعامل مع الفلاحين الفقراء ، الا انهم وكانوا يحكمون قبضتهم على الواقع الزراعي وأن كان يرى بعض السياسين الذين سوقوا محاربة الاقطاع ان الكثير من الظلم والقهر وقع على تلك الطبقة المكافحة،ولكن كدراسة لمرحلة يمكن الاخذ بذلك ولكن ولما آلت اليه الامور، ما كان يجب ان يحدث وكان يمكن المحافظة على البنية الاجتماعية وتفاصيلها مع اغناء العملية الزراعية بتوفير المكننة الحديثة في العملية الزراعية، وخلق ثورة في التوعية بحقوق الانسان ،الاقطاعيون في حقبتهم حققوا اكتفاءً ذاتياً ، فلا شيء يستورد من خارج الحدود، حتى القادم الى العراق يخضع لسلطة الحجر الزراعي المنتشرة في جميع المنافذ الحدودية .. ولكن بتحول الفلاح الى مالك للارض وانشاء الجمعيات الفلاحية وصدور قانون الاصلاح الزراعي ، انتقل الفلاح من مكان عمله الارض التي كان يكدح فيها ليل نهار الى (عضو) في الجمعية الفلاحية ينتظر السماد الكيمياوي ، ويناقش في السياسة العامة ويتظاهر .. ويطالب بحقوقه ولايؤدي اصغر واجباته وهي اكتفاؤه ذاتياً، الى جانب توقف التطلعات في تحديث الطرق الزراعية انتقل الفلاح من منتج الى مستهلك ، بعد ان كان مكتف ذاتيا فالى جانب العملية الزراعية فهو مرب جيد للماشية ، ويحصل على البيض من دجاجاته التي تسرح في فناء الدار والحليب من بقرة او اكثر ..
ومثله كان مصير العامل الذي احتك بالتكنولوجيا الغربية وكان مقياس اجره بما يقدمه من انتاج ، وجد نفسه بعد ثورة تموز يركن الى الشعارات الزائفة التي نقلته من المصنع الى الشارع ليلعن الامبريالية والاستعمار وبريطانيا وشركات النفط او لينادي بالوحدة العربية وهنا نشأت الزعامات الغير واعية والفارغة من مضمون القيادة لتدير الامور .. من سيء الى اسوأ في منحنى وان شهد في بعض السنوات ازدهاراً الا ان ذلك مقدمة لكارثة تدفع البلاد قدماً نحو الهاوية .. ولكن من الانصاف ان ما بدأه العهد الملكي حاول الزعيم عبدالكريم قاسم اعادة الحياة به بعد فاصل من الصرعات بين ضباط الثورة فأنشأ (قناة الجيش) لتكون رئة إضافية لبغداد والحزام الاخضر ، والمخابز الاتوماتيكية التي مازالت في مكانها في بداية جسر الغدير .. لكن الواضح ان البلاد اتجهت دفتها الى الشأن العربي وتركنا الداخل بكل مخاضاته نهباً للمغامرات والى الشعارات التي تذوب عند التربع على الكراسي ، فبعد مدة ليست بالطويلة تحولت الشعارات الى مناطق خلاف مع الجيران والعرب ..وبمرحلة التأميمات التي شهدتها فترة الستينات وقبل انقلاب 1968 انتهى دور مؤسسات القطاع الخاص الكبيرة والرصينة وبدأ عصر تحويل هذه المؤسسات الى قطاعات غير منتجة ولا يخضع لحساب الكلف في انتاجها .. وبحكم الحماية للمنتوج الوطني كانت هذه المؤسسات تربح وتنتج ، ولكن اي انتاج واي متانة التي كانت مطلوبة ..
محطة التأميم والحرب
وبعد انقلاب 1968 ورفع شعار تأميم النفط كتكملة لما قام به الزعيم عبدالكريم قاسم عندما سن القانون رقم (80) لتحديد مناطق عمل شركات النفط الاجنبية ، وكرد على قيام الغرب بتقديم الدعم الى اسرائيل ، والتفكير ان التأميم سيزيد من سلة العملات الصعبة فقد اقدم العراق على تأميم النفط وعاش العراق شهورا تسعة من الحصار من حزيران 1970 ولغاية اذار 1971 عندما كسرت الشركات الالمانية الحصار بدأ العراق عهداً جديداً، وبدل ان يتجه الاقتصاد العراقي والقائمين عليه الى تحديث منشأت النفط (صاحبة الخبزة) الا ان الجهود لم تتعد الصيانة وتبديل بعض خطوط الانتاج ، وأضافة بعض المنشآت ، لقد كان العراق ينتج احسن زيوت المحركات بنوعيه المحسن والعادي ، حتى التعبئة كانت متميزة . ثم كانت خطة التنمية الانفجارية التي كانت واحدة من مميزات عصر الفوضى الاقتصادية والصناعية ونظمت الدعوات للشركات الاجنبية للاسهام في تنفيذ هذه الخطة، وكان ان حصل العراق على احدث التكنولوجيا في مجالات عدة ، لكن العين على (المعارك القومية ) واسترجاع فلسطين من البحر الى النهر لم يعط المجال للمخططين والاقتصاديين مجالاً وحيزا من الزمن فبانتعاش البلاد اقتصادياً ، بدأ النظام بفض تحالفاته مع القوى الوطنية وصولا الى ما حدث العام 1979 بأستئثار مجموعة من حزب البعث على السلطة .. ما يعنينا هنا ليس مناقشة الوضع السياسي بل وجدناه مدخلا الى ما حدث للصناعة المحلية وما تاثيرات ذلك،وكان رصيد خطة التنمية الانفجارية كبيراً بل مفتوحاً وبملايين الدولارات لكل مرفق من مرافق الدولة كانت صلاحيات المدير العام تتجاوز الصرف بأكثر من مليون دولار للمرة الواحدة .. امتلأت بغداد ومدنها بمكاتب الشركات الاجنبية ، وتوزعت المشاريع بين الخدمية والانتاجية مصانع اطارات السيارات معامل الالبسة الجاهزة، صناعات الدواجن، اسطول لشركة عامة لصيد الاسماك ، صناعة تجميع السيارات والساحبات ، شركة الصناعات الالكترونية / مشاريع الاسكان والخطوط السريعة ,ومحطات تربية الابقار والحيوانات ، مشاريع زراعة الذرة الصفراء ، الزيوت النباتية و..الكثير بل الالاف من المشاريع ودورات التدريب في الخارج والداخل وبدت الحال وكأن البلاد على السكة الصحيحة ، وكانت الناس تنظر الى صدام حسين نظرتها الى المخلص وبدت الاعتراضات اكثر حدة ، ولم يدم الامر طويلاً حتى وضعت الخطط لحرب ضروس دامت سنين دبر لها.. ولم يتمكن الجيش بعدده من المطاولة فخرج من الخدمة في الصناعة والتجارة الالاف ليجدوا انفسهم على خطوط النار ، وحتى اذا ما زاد الاحتياج خسر الصناعة الحكومية بقواطع الجيش الشعبي الالاف الاخرى ...كانت المشاريع الكبرى توشك على الانتهاء من تشييدها ، بعض الشركات تركت العمل اول الحرب لكنها عادت عندما أحيت حرب المدن واقتصرت المجزرة على خطوط التماس والمدن الحدودية عندها فكر النظام بخصخصة المشاريع وبيعت بأبخس الاثمان الى من ؟ بيعت الى العائلة التي بدورها نقلتها الى ملكية القطاع الخاص ومل تبقى كان الانتاج في لا يسد الحاجة ..وبقيت بعض الصناعات تدعم الوارد المتاتي من بيع النفط بابخس اثمانه عندما وصل سعر البرميل الى اقل من 4 دولارات يذهب عائدها الى جهد التسليح .. ومن نتاج الحرب كان هيئة التصنيع العسكري التي هرب اليها الكثير من الشباب طمعا في فرصة الحياة التي فقدها الكثير منهم بتصرفات رعناء وعقوبات قطعت فيها الرقاب احياناً ، لقد وفرت هذه الصناعات وبرغم اختصاصاتها التسليحية معرفة للكثير في مجالات استعمال التكنولوجيا الحديثة والتعامل معها .. لقد كان هنالك جيش من التقنيين في مجالات الكهرباء واللحيم والالكترونيات والانشاءات.
محطة الاحتلال
لا احد يدري لماذا تصرف الاميركان هكذا عندما غزوا العراق وكان يمكن ان تكون الامور احسن ، لوأنهم ادركوا بعد دخولهم الى بغداد ان ما سمعوه ورأوه نقلا عن صور وأحداث لاتنطبق مع ارض الواقع والاحلام .. فقد ظل الجنود الاميركيون يجوبون الاسواق ويأكلون (المسكوف والكباب ) في اكثر المناطق سخونة والتي امتلأت بأجهزة الستلايات والعصائر واجهزة (الثريا).. ولتفتح مؤسسات الدولة ومصانعها وحتى الاماكن الملوثة اشعاعيا لتنهب وتحرق منهجياً ، فما سرقه وحرقه اللصوص الصغار من الفقراء لايساوي شيئا مما سرقته حيتان عراقية ومزدوجي الجنسية وحتى الاميركان والجيران .. وتحولت مدننا الى مجموعة من الحرائق . ثم جاء الاعظم تسريح الجيش العراقي وانهاء شكل الدولة ... وبهذا الضياع اصبح الطريق سالكا امام دول الجوار لتفتح اسواقها ولتنافس صناعاتها الصناعة الوطنية بعد ان طالت يد الارهاب اصحابها تجارا و صناعيين خطفا وقتلا ..ووفرت لهذا السوق الذي زاد من بشاعتها عدم وجود رقابة على الحدود وذمم باعت نفسها قبل ان تبيع وطنها .. وتحول العمال المهرة الى شحاذين ينتظرون راتب الفتات يقضون يومهم بشرب الشاي ومناقشة قضايا الاحزاب والطوائف والتلون السريع في المشهد السياسي .. جيش من التقنيين المهرة من منتسبي هيئة التصنيع العسكري اصبحوا مطاردين لانهم (كفروا) بإنتمائهم بحثاً عن الرزق وهربا من الحروب الى هذه المؤسسة التي لم تكن يوما ملكا لاحد . ثم جاء من كل الاصقاع والبلدان نهازو الفرص بشهادات (مزورة واخرى مضروبة) ليتولوا قيادة مؤسسات الدولة يكون لها من امتيازات اكثر من رجال العهد الماضي ولتطرد العملة الزائفة العملة الاصلية ، مليارات ذهبت ، احرقت ، سرقت كان يمكن ان تنهض بالصناعة الوطنية ، خاصة وحكومية ..السؤال لماذا كل هذه السنين ولم نصرف على ادامة وصيانة ما نحتاجه من الصناعة ، الجهود في هذا المجال بطيئة وبطيئة وبها ينتعش اقتصاد الاخوان والجيران لصوصا وتجار.
التنمية الصناعية او (عملية التصنيع) تعني فيما تعنيه التوسع الصناعي باقامة المشروعات الصناعية الجديدة او التوسع في تطوير المشروعات القائمة وان ذلك ينطوي على الكثير من الجوانب الايجابية للاقتصاد العراقي وفي هذه المرحلة بالذات حيث ستؤدي الى الاحتفاظ بالموارد المالية من العملات الاجنبية وتلافي الاختناقات الناجمة عن صعوبة توفير هذه الاموال في ظل انخفاض وتذبذب اسعار وعجز الموازنة العامة ومن فوائد عملية التصنيع انها ستساهم في انعاش وتنمية الناتج القومي وتنويعه وزيادة الدخل القومي واعادة توزيعه وما يتبعه من زيادة نصيب الطبقة العاملة منه ورفع مستوى معيشتها والحد من ظاهرة البطالة اضافة الى تضييق الفجوة في الظروف الانتاجية بين العراق والدول المتقدمة صناعيا وبالتالي معالجة الانحرافات الهيكلية القائمة في الاقتصاد العراقي من خلال الدور الذي سيحتله التصنيع في عملية البناء الاقتصادي والاجتماعي وكذلك تاثيرات عملية التصنيع على الجانب السياسي الذي سيؤدي الى تخطي اسباب التبعية الاقتصادية والسياسيه للدول المتقدمة والحد من تدخلات واملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتكريس القرار السياسي المستقل للبلد من خلال اعتماده على امكانياته الاقتصادية الذاتية.اما الاجابة على السؤال الذي يتعلق بمن هو الخاسر ومن هو المستفيد من اهمال الصناعة العراقية فان الخسائر الكبيرة التي سيدفعها الاقتصاد العراقي والمجتمع العراقي والمنتجون الصناعيون يمكن تشخيصها بكل وضوح فان استمرار غياب التصنيع يعني استمرار ظاهرة التخلف الاقتصادي حيث ان من ضمن المقاييس العديدة التي يعتمدها ويحددها بعض المفكرين الاقتصاديين لمدى تقدم الدول ورقيها يتم من خلال التعرف على مدى تقدم صناعتها الوطنية ومساهمتها في اجمالي الناتج المحلي وقدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي والوصول الى مرحلة التصدير كذلك فان الاعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل والذين يمكن استثمار طاقاتهم واختصاصاتهم المختلفة في القطاع الصناعي يعتبرون من اكبر الخاسرين فان الترهل والتضخم الوظيفي في قطاع الحكومي وعجزه عن استيعاب المزيد من العاملين والذي يعاني من ظاهرة البطالة المقنعة لذلك فاننا بحاجة ماسة الى حراك حقيقي في عملية التصنيع لاستيعاب هذه الطاقات. ان الصناعة العراقية في القطاعين العام والخاص والتي ادى اهمالها الى انهاك بناها الارتكازية وانهاء الدور الذي يمكن ان تلعبه في عملية التنمية الاقتصادية لغياب الدعم وتوفير المستلزمات الضرورية لاعادتها الى اوضاعها الطبيعية التي كانت عليها سابقا تمهيدا للوصول بها الى مرحلة متقدمة وادخال الاساليب التكنولوجية المتقدمة في العملية الانتاجية وتمكينها من ان تكون ندا ومنافسا قويا لمنتجات الدول الاخرى التي اغرقت منتجاتها اسواقنا بشكل كبير بالرغم من رداءة الكثير من نوعياتها وتبني البعض من هذه الدول لسياسة الاغراق لتحييد واخراج الصناعة العراقية من القدرة على المنافسة مع منتجاتها وكذلك غياب التشريعات والقوانين التي يمكن ان توفر الحماية وبجميع اشكالها للصناعات القادرة فعلا على اشباع الحاجة المحلية من الناحية الكمية والنوعية وقد تضرر من جراء ذلك الكثير من الصناعيين في القطاع الخاص الذين فقدوا معاملهم وقدرتهم على استعادة دورهم في العملية الانتاجية ورفد السوق المحلية بالسلع الاستهلاكية المختلفة. كما أدى ذلك الى فقدان الثقة من قبل المستثمرين في الداخل والخارج في مجمل الاوضاع التي يمكن ان تشكل مناخاً ملائماً لولوج الاستثمار في الصناعات المختلفة .
أما المستفيد الأكبر من اهمال الصناعة العراقية والوصول بها الى ما وصلت اليه فمن البديهي القول ان اكثر المستفيدين هم البعض من المستوردين وتجار المناسبات واغتنام الفرص ومن يقف وراءهم ويدعم استمرار استغلالهم لخلو الساحة العراقية من المنتجات المحلية والذين استطاعوا أن يحققوا ثراء كبيراً خلال فترة قياسية وعلى حساب الاقتصاد الوطني والمستهلك العراقي باغراق الاسواق العراقية بالكثير من السلع الرديئة التي لا تخضع في الغالب الى الفحوصات والمواصفات المعتمدة ويذهب البعض الى أبعد من ذلك معتقدين بأن وراء تدمير الصناعة الوطنية أطراف خارجية لا تريد الخير للعراق ويهمها تكريس واستمرار واقعنا الصناعي المتدهور وبالتالي بقاء العراق بلداً ضعيفاً ومتخلفاً غير قادر على الانتاج والاستمرار كونه بلداً مستوردا لابسط مقومات حياته ومتطلباتها وبالتالي بقاء ارادته وقراره الاقتصادي والسياسي مرهوناً بارادة ومصالح هذه القوى واستمرار تحكمها بمصالحة الحيوية. وعموماً فأن تحقيق الاهداف المرجوه من التنمية الصناعية تتطلب اتباع السياسات التي تؤدي الى تكامل فروع الانتاج الوطني والاهتمام باقامة الصناعات التحويلية والمنتجة للمواد الاولية والوسيطة والمكائن والمعدات التي تحتاجها الصناعة المحلية وكذلك الاهتمام بالصناعات الغذائية ولا بأس ان نبدأ في هذه المرحلة بالصناعات التجميعية تميهداً للوصول الى مراحل أكثر تقدماً يمكن من خلالها ادخال الوسائل التكنولوجية للصناعة الوطنية لمواكبة التطور العالمي وتمكينها من منافسة السلع الاجنبية والانتقال الى المرحلة التي تحقق نسبا متقدمة في عملية التصنيع.
مع انقراض الصناعات الوطنية: اختفت (صنع في العراق)؟
تربعت منتجات الصناعة العراقية لعدة عقود على المعروض من السلع في أسواق العراق مستحوذة على اهتمام وثقة المستهلك العراقي بعد ان استطاعت المصانع والمعامل المحلية توفير المواصفات والخصائص التي تميزها بالكفاءة والاداء الجيد وكانت عبارة (صنع في العراق) تعني في دلاتها الجودة والقوة والصناعة الفاخرة التي توازي الانتاج العالمي، الى ان سلبت ونهبت المصانع في مرحلة الفوضى التي اعقبت سقوط االنظام المباد وفتحت الحدود امام الصناعة الاجنبية الرخيصة على مصراعيها وراحت الصناعة المحلية تواجه مشكلات عدة بينها ضعف التخصيصات والاستثمارات.
ويقول عضو اتحاد الصناعات الوطنية فؤاد محمد: لقد عانى القطاع الصناعي من الاضطهاد والتعسف خلال العهد الماضي وهمش دوره في المساهمة ببناء الاقتصاد الوطني العراقي نتيجة لعسكرة الصناعة وبعد سقوط النظام توقفت معظم المعامل والمصانع فضلا عن فتح الحدود امام تدفق البضائع والسلع الاجنبية. وهذا بطبيعة الحال ينعكس على وضع الصناعة الوطنية لدخول سلع واجهزة رخيصة الثمن ولكنها رديئة وهو ما يجعل المواطن يفضل الاجهزة الرخيصة لكثرة حرمانه من ان يرى تلك الاجهزة ابان حكم النظام السابق وما تبقى من مصانعنا فان عملها بمستويات انتاجية متدنية لضعف الطلب والاستيراد غير المتقن والخاضع للشروط والقيود والالتزام بالمواصفات وفي ظل الظروف غير المستقرة. كل ذلك كان له تاثير كبير في صناعتنا الوطنية المعروفة ولو توفرت امكانية الدعم والمساندة لهذا القطاع لتمكن من اغناء السوق المحلية بالكثير من السلع والمنتجات التي تحتاجها ولكان وفرّ ايضا الكثير من رؤوس الاموال التي تصرف الان على عمليات استيراد السلع والمنتجات الاجنبية الرديئة بحسب تعبير عضو الصناعات الوطنية. واردف: من الضروري اعطاء دور للقطاع الخاص في رسم السياسة الاقتصادية ووضع ضوابط للاستيراد واخضاع البضائع المستوردة لضوابط السيطرة النوعية والرقابية، في حين يفضل عدد من المستثمرين العراقيين العمل خارج العراق بسبب عدم توفرالشروط الموضوعية لقيام صناعة وطنية عراقية واهمال الدولة لها وعدم تقديم المساندة والدعم لهذا القطاع الحيوي مما اخطر عددا من الصناعيين العراقيين حين لم ينجحوا في ايجاد الحلول لهذه الوضعية المستعصية فاذا استمرت هذه الحالة السلبية فان الكثير من الصناعيين سيلجأون الى مثل هذه الخطوة فهي دعوة لتكثيف الجهود للتصدي لمشكلات الصناعة من خلال استثماررؤوس الاموال.
ويقول فاهم عزيز وهو باحث اقتصادي: ان هناك الكثير من المعالجات لغرض حماية المستهلك وحماية المنتج الوطني من خلال وضع ضوابط للاستيراد واخضاع جميع السلع والمواد المستوردة لتدقيق الجهاز المركزي للتقيس والسيطرة النوعية قبل دخولها ووصولها الى المستهلك حماية له وللثروة الوطنية ووضع الرسوم عن طريق الاعفاءات واعفاء المواد الاولية للمعامل من الرسوم الكمركية واعفاء المشاريع الصناعية من ضريبة الدخل ولمدة 3 ـ5 سنوات اسوة بالمنتوج الزراعي، والمزاعين الذبن اعفتهم الدولة من دفع ضربية الدخل وتشغيل عجلة الصناعة الوطنية بتحديث المشاريع الصناعية القائمة. اما سليم شريف صاحب مجمع "حياة مول" التجاري، فقال: بالتأكيد ان الصناعة هي عنصر حيوي ومهم لتطور الشعوب والامم وهي تحتاج الى الدعم المباشر من قبل الدولة وذلك من خلال التمويل او القروض عن طريق المصرف الصناعي. فعلى سبيل المثال في عام 1979 أنطلقت باكورة الصناعة الوطنية العراقية حيث كانت الدولة انذاك تدعم المشاريع الصناعية بنسبة70% بالاضافة الى ذلك هناك وجهه اخر من اوجه الدعم وهو يتمثل ببيع الدولارالاميركي للصناعيين بالسعر الرسمي وكل تلك المؤشرات هي علامات او اضاءة ناضجة لبناء صناعة وطنية واعدة، ناهيك عن توفير قطع الاراضي للصناعيين وتوفير المحولات الكهربائية بالاضافة الى ذلك ربط المعامل الصناعية بخط الطوارىء واعطائهم مولدات كهربائية وتزويدهم بمادتي الكاز والبانزين، علما بان تلك العوامل هي اسباب حقيقية لانجاح التجربة الصناعية.
ويضيف: اما اليوم فلا نجد هذا الدعم، ان العراق وهو الدولة التي عمرها يناهز 4 او 5 الاف سنة، يستورد مادة الورق الصحي(الكلينكس) والآيس الاكريم والنساتل بمختلف انواعها والله ان ذلك عيباً والف عيب، ومن خلال ذلك نستدل بان الصناعة العراقية صفر اليوم، فما بالك بالصناعات الاخرى، لذى يجب على الحكومة ان تتخذ قرارات جريئة من اجل تقديم الدعم للصناعين، وذلك من خلال تقديم المنح او القروض الميسرة، فما الضير ان تخصص الحكومة مبلغ 4 او 5 مليارات دولار للمصرف الصناعي، وهي تتحدث اليوم عن ميزانية او ثورة انفجارية وارقام خيالية، اذن اين هذه الارقام؟ ولماذا لا يقدم مبلغ لدعم المصرف الصناعي او الزراعي او العقاري وهذه المصارف هي مقومات الدولة الحديثة؟ لماذا لا يقدمون تلك القروض من اجل تسترجع المصانع عافيتها من جديد؟، واذا كانت الحجّة الامن فهناك الكثير من مناطق جنوب ووسط العراق في حالة امن كبير. واضاف: ومن الممكن تشجيع الصناعة في تلك المناطق، بالاضافة الى ذلك هناك نظرية تقول ان رأس المال جبان، أي تعني ان المستثمر هو الاكثر حرصا على تأمين المعمل او المصنع او المكان الذي يستثمر به، ناهيك ان السوق العراقية مفتوحة اليوم فيفترض بالدولة ان تفرض رسوم وضرائب على دخول البضائع من اجل ان تفسح المجال للصناعة العراقية الوطنية في مجال المنافسة، الدولة الان ترينا فقط المعارض في الخارج فما قيمة هذه المعارض ونحن نرها من على شاشات التلفزيون، اما عن اتحاد الصناعين، فهو ليس صاحب قرار بل هو مجرد مؤسسة ادارية لنقل حالة الصناعة والصناعيين ليس الا. كما اود ان اشير الى حالة في عهد النظام السابق، كنا لا نعلم ما هو نمط الاقتصاد او السوق العراقية، واليوم كذلك ايضا لا نعلم ما هي طبيعة السوق العراقية، هل هي راسمالية؟ام هي اشتراكية؟ ام اسلامية؟ والحق اقول لا نعلم؟ وذلك لان السوق العراقية لاتنتهج أي معيار او أي استراتيجية محددة يمكن من خلالها ان تتبنى نمط واضح. وفي الختام اتمنى على الدولة ان تقدم الدعم للمشاريع الصناعية بكل قوة وكذلك يجب ان تضع استراتيجية من شانها ان ترتقي بالقطاع الصناعي.
ويقول صاحب مجمع تجاري يعنى باستيراد السجاد الفاخر والمواد المنزلية الاخرى: هناك مشكلات عامة تعاني منها الصناعة الوطنية كالامن والكهرباء وغيرها من الخدمات الاساسية، اما المشكلات الخاصة فتتمثل بألاستيراد غير المتقن واغراق السوق بالسلع الرديئة وتوقف الدعم وتقادم المكائن والمعامل وكثرة العطلات فيها وندرة عمليات التاهيل والتحديث، الامر الذي اثر بشكل سلبي في الصناعة الوطنية فهناك معامل ومصانع ما زالت تعمل ولكن انتاجها اقل بكثير من المطلوب أي اقل من جهدها الصناعي، وهذا يقود الى ارتفاع تكاليف الانتاج في وقت اتسعت فيه المنافسة واشتدت بسبب الانفتاح غير الطبيعي وغير المنضبط على السلع والبضائع الاجنبية، مما يجعل منتجاتنا الوطنية في وضع لا تستطيع فيه منافسة مثيلاتها المستوردة التي لها كل اسباب المنافسة والمزاحمة. كما ان ثمة مشكلات اخرى يعاني منها القطاع الصناعي الخاص وعدم توفر السيولة النقدية الخاصة في المصانع ذلك ان الظرف المضطرب قد استنزف طاقات المعامل التي ظلت رغم توقفها عن الانتاج اوتدنيها تدفع الضريبة والايجار وتكاليف الحراسة، والبعض الاخر من اصحاب المعامل استمر بدفع اجور ومرتبات بعض الملاكات الفنية لكي يحتفظ بعلاقته بها فظلت هذه المعامل تحت ضغط هذه المشكلات التي استمرت طيلة مدة الحصار، وندرت الحصول على المواد الاولية الداخلة في الانتاج وزادت هذه المشكلات تعقيدات وصعوبة ما بعد سقوط النظام السابق.
ويرى الخبير الاقتصادي حسين محمد راضي "ان هناك مستلزمات عدة ينبغي توفرها لنمو ونهوض الصناعة، اهمها الدعم المادي والسيولة، وهناك جهود كبيرة لاعادة نشاط صندوق التنمية الصناعية لدعم هذه المعامل وتفعيل دور المصرف الصناعي لتقديم قروض مجزية وبفوائد ميسرة ورمزية واعادة نشاط وعمل الجهاز المركزي للتقيس والسيطرة النوعية ودوائر الرقابة الصحية لأخذ دورها في فحص وتدقيق المواد الداخلة والتأكد من صلاحيتها وسلامتها، وتفعيل دور اللجان الحدودية بعد ان ثبت ان كل البضائع والسلع المتدنية الجودة والتالفة تتدفق الى بلادنا بسبب غياب وتعطيل عمل هذه المفاصل التفتيشية المهمة.
اما الصناعيون فكانت لهم آراء اخرى إذ يقول الصناعي ناجي خلف: ان الصناعة الوطنية تعاني في الوقت الحاضر من مشكلات جدية قادت الى شيوع حالة من الشلل اصاب جميع قطاعاتها واختصاصاتها ففي السابق كان اقتصاد البلد اقتصاد حرب وكانت جميع الامكانات موجهة الى الصناعة الحربية ولهذا ونتيجة الاهمال الذي اصاب هذا القطاع فقد شهدت الصناعة الوطنية تدهورا كبيرا وتراجعت في جميع المجالات اما في المرحلة الراهنة فان الصناعة مثل بقية المؤسسات الاخرى تاثرت بشكل سلبي بالظروف التي رافقت عملية سقوط النظام وما بعدها الا ان هذا الشىء انعكس ليزيد من تلك المشاكل التي يواجهها هذا القطاع وفي مقدمتها انحسار الدعم المادي والشروط الموضوعية لازدهار الصناعة. اما هاشم حسين وهو تاجر قماش في كربلاء فيقول: ان هناك مفارقة تواجه عملنا فبدلا من حماية المنتج والمنتجات العراقية وتوفير الدعم لها وانصاف الصناعي العراقي وتذليل الصعوبات التي تواجهه الا اننا نجد ان الصورة معكوسة تماما فالرسوم والضريبة وضعت على الاقمشة الخام المستوردة بينما رفعت هذه الضريبة والرسوم عن الملابس والمنتجات المصنعة وهذا معناه ان التسهيلات معكوسة تقدم للتاجر او المنتج الاجنبي ولا تقدم لابن البلد وهذا ناتج عنه ارتفاع اسعار الاقمشة الخام المستوردة واضعاف موقف معامل الالبسة داخل البلاد من طرح منتوجاتها باسعار تشجيعية قياسا الى الملابس المستوردة وهذه الحالة يمكن سحبها على جميع السلع والمنتجات العراقية ونسوق مثالا هنا على الحالة فسعر القميص المستورد (دولاران) بينما سعر القماش المخصص لصناعة مثل هذا القميص في الداخل هو ثلاث دولارات وبعد هذا نجد ان هناك ظلما وقع على الصناعيين العراقيين.
اما الصناعات الجلدية العراقية فقد شهد واقعها حالة من التعثر جعل الكثير من القائمين على هذه الصناعة يتوقفون عن الإنتاج بسبب انفتاح الأسواق العراقية أمام البضائع الأجنبية بعد نيسان عام 2003 من دون وضع آليات تحدد عملية استيراد البضائع من خارج البلد الأمر الذي انعكس سلبا على واقع أنتاج الجلود في السوق المحلية وجعلها تتراجع مع ارتفاع حجم الاستيراد من دول مختلفة. يقول محمد سلمان صاحب معمل لصناعة الأحذية والشحاطات الرجالية في بغداد: كنا في السابق نعمل بشكل مستمر دون انقطاع وكنا نعرض بضاعتنا على قوافل زوار العتبات المقدسة ولكن الذي حدث انقطاع قدوم الزوار إلى البلد وزيادة حجم الاستيراد من البضائع الجلدية على اختلاف أنواعها وموديلاتها وبأسعار رخيصة لا توازي تكلفة صناعة الأحذية محليا مما اضطرنا إلى التوقف عن الإنتاج فمن غير المعقول الاستمرار في ظل انعدام الإرباح وتلاشي الجدوى الاقتصادية. كما ان ثقة المتبضع العراقي بالمنتج الأجنبي أعلى من المنتج المحلي. خصوصا ان غالبية ما متوفر في السوق المحلي من الصناعة الصينية التي يرغب كثير من المواطنين اقتناءها بسبب أسعارها الزهيدة. فسعر الحذاء الصيني مثلا لا يتجاوز 11 ألف دينار في الوقت الذي يصل سعر الحذاء العراقي إلى 23الف دينار ولكن المنتج العراقي يمتاز بجودته ومصنوع من الجلد الطبيعي. وحدثنا مصطفى محمد صاحب معمل أحذية في شارع الرشيد "أن زيادة استيراد المنتجات الجلدية من الصين وسوريا وإيران والإمارات ودخول كميات كبيرة من الأحذية النسائية والرجالية والأحزمة والحقائب أدت إلى تراجع المنتج المحلي نظراً لفقدان عنصرين مهمين من عناصر المنافسة هما الجودة والنوعية فالمنتج المحلي يعتمد في بعض أساسياته على استيراد أجزاء مهمة داخلة في الصناعات الجلدية كأرضية الحذاء والجلود المستوردة في بعض الأحيان الأمر الذي يجعل تكاليف الإنتاج عالية لا تقبل المقارنة مع المستورد الذي يباع بأسعار زهيدة تناسب شريحة واسعة من المجتمع العراقي الذي يفضل البضاعة الزهيدة".
آراء الخبراء
السياسي والاقتصادي العراقي الدكتوركاظم حبيب وجه دعوة ونداء من أجل نجدة الاقتصاد الوطني , من أجل مساندة ودعم مطالب اتحاد الصناعات العراقي والمنظمات الاقتصادية والعمالية العراقية. وقال: منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى الوقت الحاضر أمكن ملاحظة ابتعاد موجهو السياسة العراقية الراهنة عن تنمية الاقتصاد الوطني والتصنيع وتحديث الزراعة كلية وتركز همهم في إغراق الأسواق المحلية بالسلع الإيرانية والتركية, إضافة إلى سلع أخرى من دول أخرى. وأغلب تلك السلع المصنعة المستوردة تعتبر من الدرجة الثالثة والأخيرة من حيث مستوى التصنيع والنوعية والديمومة, برغم أن أسعارها ليست بالرخيصة. والمشكلة لا تكمن في هذا الجانب من السلع المستوردة, بل في عدة جوانب جوهرية يفترض التركيز عليها في المرحلة الراهنة من نضال الشعب العراقي لتغيير واقعه الاقتصادي والاجتماعي, وأعني بذلك ما يلي: 1 . إن هذا الاستيراد الواسع يقف مانعاً وعائقاً حقيقياً أمام عملية التنمية الوطنية وخاصة التصنيع الوطني وتحديث الزراعة والتحول التدريجي من مجتمع مستهلك للدخل القومي إلى منتج له. ومن غير المعقول بل الجنون بعينه أن تبقى 90 % من المشاريع الصناعة متوقفة عن العمل , كما صرح بذلك الأستاذ هاشم الأطرقچي رئيس أتحاد الصناعات العراقي. 2 . وهذا يعني عجز الاقتصاد الوطني عن إيجاد فرص عمل جديدة في مجالات الاقتصاد الإنتاجي والاقتصار على الخدمات الاستهلاكية والبنية التحتية, وهي غير كافية لامتصاص البطالة الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد العراقي بالارتباط مع معدلات النمو السكانية والزيادة الطبيعية في المجموعات الشبابية الجديدة التي تدخل سوق العمل سنوياً. 3 . وهذا يعني إبقاء الاقتصاد العراقي مشوهاً في بنيته, ريعياً في إنتاجه للدخل القومي ومعتمداً على موارد النفط الخام في تكوين الدخل القومي وفي استيراد ما يحتاجه من سلع للسوق المحلي دون توجيه تلك الموارد المالية النفطية صوب التنمية المستمرة, وبالتالي يُستهلك الدخل القومي دون رحمة. 4 . وهذا يعني بدوره إبقاء الاقتصاد العراقي مكشوفاً على الخارج تابعاً له وجزءاً عضوياً من عملية إعادة الإنتاج لاقتصاديات أخرى دون أن تكون له عملية إعادة إنتاج موسعة في الداخل لتحقيق التراكم الرأسمالي وإغناء الدخل القومي وتطوير الاقتصاد الوطني.
5 . وهذا يعني بدوره الوقوف بوجه نمو الطبقة البرجوازية الوطنية المتوسطة في القطاع الصناعي وحرمان أصحاب رؤوس الأموال العراقيين, وربما العراقيات, من التوظيف في الصناعة الوطنية. كما أن هذا يعني إبقاء بنية المجتمع العراقي على حالها المشوه الراهن دون وجود طبقة عاملة واسعة ذات قدرات فنية ومهنية ووعي اقتصادي واجتماعي ومشاركة فاعلة في العملية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. 6 . إن مثل هذا التوجه الاقتصادي لا يساعد على توفير مستلزمات بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة ومجتمع مدني ديمقراطي حديث, بل يبقى المجتمع خاضعاً للعلاقات الريفية والعشائرية وللمؤسسة الدينية وشيوخ الدين. 7 . كما أن سياسة البنك المركزي في التسليف وسعر الفائدة الراهن لا يساعد القطاع الخاص المحلي على الاستفادة من القروض, بل هي مفيدة للقطاع الخاص الأجنبي. وهو أمر سلبي يفترض تغييره. إن وجهة البنك المركزي تشجع وتقف إلى جانب التسهيلات الائتمانية التجارية والقروض للتجار منة, وتعرقل التنمية الصناعية المحلية من جهة أخرى. 8 . ولن يربح من هذا الاتجاه الاقتصادي غير الإنتاجي سوى مجموعة صغيرة من كبار التجار ومن الدول المصدرة للعراق, في حين يكون الخاسر الأكبر هو الاقتصاد العراقي والشعب العراقي.
ويضيف حبيب: ومن هنا تأتي الدعوة الصادقة لتنظيم ودفع عجلة التنمية الصناعية والتحديث الزراعي وتطوير البنية التحتية التي توفر مستلزمات التنمية الوطنية وتخدم مصالح المجتمع. إن المطالبة يفترض أن تتركز على بعض النقاط المهمة, منها مثلاً: - توجه الدولة العراقية من أجل وضع إستراتيجية واضحة للتنمية الاقتصادية والبشرية في العراق تهدف إلى استثمار موارد النفط الخام للتنمية الصناعية وتحديث وتطوير الزراعة. - استثمار النفط الخام في تطوير سلسلة من المشاريع الصناعية وتطوير وتوسيع مشاريع تكرير النفط وإنتاج مشتقاته وتقليص مستمر لاستيرادات العراق من مشتقات النفط الجارية حالياً. - توفير مستلزمات وتشجيع القطاع الخاص العراقي على توظيف رؤوس أمواله في القطاع الصناعي وفي تحديث الزراعة وإصدار التشريعات الضرورية لهذا الغرض. - تشكيل هيئة عليا للاستثمار في العراق تساهم في تأمين المستلزمات الضرورية لتشجيع الاستثمار الخاص المحلي بالدرجة الأولى, ثم الأجنبي في الاقتصاد العراقي, وبشكل خاص في القطاع الصناعي وفي الزراعة وفي مشاريع الخدمات الإنتاجية والاستهلاكية. - تنظيم التجارة الخارجية بما يسهم في دعم التوجه صوب التنمية الوطنية وتنشيط التصنيع والإنتاج الزراعي. إضافة إلى ضرورة تغيير التوزيع الجغرافي الراهن لاستيرادات العراق وتحسين نوعية المستورد وضمان الرقابة على النوعية والأسعار. - ربط العملية التعليمية بمختلف مراحلها ومراكز البحث العلمي بعملية التنمية الوطنية والتصنيع وتحديث الزراعة والاتصالات الحديثة والمواصلات وإعادة التأهيل. - توجيه البنك المركزي والبنوك المحلية لممارسة سياسة أكثر واقعية وعقلانية كي تساهم في تشجيع المستثمر المحلي لاستلاف القروض الميسرة وبفوائد قليلة وتوظيفها في القطاع الصناعي والزراعي والاتصالات الحديثة. - تطوير تنظيم ونشاط شركات التأمين وإعادة التأمين في العراق وتطوير علاقاتها الدولية مع تلك الدول التي لنا علاقات قديمة وناجحة في السابق معها والاستفادة من الخبرات العراقية الدولية في هذا الصدد. فالتأمين يشكل احتياطياً كبيراً لدعم الاقتصاد العراقي, وخاصة في فترات الكوارث الطبيعية وغيرها. - العمل من أجل مساعدة الاقتصاد العراقي في توفير ظروف وشروط عمل مناسبة لصالح تطوير الإنتاج وتحسين الإنتاجية وتقليص التكاليف. - ربط العملية التنموية بحماية البيئة من التلوث, وبالتالي لا بد من توفير المعلومات والثقافة الكافية لاختيار مشاريع حديثة تساعد على تقليص درجة التلوث في عراق ملوث أصلاً من جراء السياسات السابقة والحروب ...الخ. - تطوير وتحديث نشاط الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس لفرض رقابتها على السلع المستوردة وتلك التي تصنع في الداخل لضمان مواصفات خاصة وسليمة. لنعمل من أجل تحويل التظاهرة إلى عمل منظم ودءوب لصالح إقناع المسئولين بضرورة التوجه صوب التنمية والتصنيع والتحديث وتوفير فرص عمل للعاطلين وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية البشرية ومكافحة الأمية.
اما وزير التخطيط العراقي السابق مهدي الحافظ فقد ربط التدهور الصناعي وفوضى الاستيراد في العراق بمجمل ما يعانيه الاقتصاد العراقي من ما وصفه بـ"المحنة" التي يمر بها واستمرار الأعباء المالية مع عدم تأمين ادارة سليمة للفائض النقدي المتراكم بما ينسجم مع حاجات المرحلة وأهداف التنمية الوطنية الشاملة. وقال الحافظ، الذي يشغل منصب عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب، في دراسة موسعة نشرتها صحيفة (الغد) الاردنية إن "العراق يمتلك اليوم احتياطيا نقديا يفوق 20 بليون دولار ما عزز قيمة الدينار العراقي وقوته الشرائية ازاء العملات الأخرى، كما يتوفر رصيد كبير في صندوق التنمية العراقي بما يزيد على 10 بلايين دولار". مضيفا أن "ذلك يتطلب اعتماد رؤية استراتيجية مدروسة وبرامج عملية ومجدية اقتصاديا تستهدف أولا المحافظة على الموارد الوطنية وتنويعها بما يضمن توفير مصادر دخل موثوقة، وثانيا اعادة النظر بالهيكل الانفاقي لموازنة الدولة وترشيد الانفاق بما يكفل تعزيز الطابع الانتاجي والاستثماري وتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص عمل منتجة للمواطنين". وأوضح الحافظ في دراسته انه لابد من "تشخيص مواطن الضعف في السياسات المتبعة والاداء الاقتصادي للدولة توخيا لتجاوز التركات المتراكة وإصلاح مظاهر الخلل بما يخدم اهداف المرحلة الراهنة وأولوياتها الانمائية وتحقيق الاصلاحات الهيكلية المطلوبة". وقدم الحافظ في هذا السياق عددا من الملاحظات اولها، "اعتماد الموازنة العامة على مورد العائدات النفطية بصورة رئيسية وتبلغ اكثر من 85% من مجموع مصادر تمويلها، كما جاء في تقديرات الموازنة ذاتها لسنة 2008، وهي حالة شاذة تعكس الطابع الريعي والمشوه والمتخلف للهيكل الاقتصادي.. فضلا عن انها تثير قلقا متزايدا على مستقبل الاقتصاد فيما لو يتعرض لمخاطر خارجة عن ارادة البلد كاحتمالات التغيير في اسعار النفط العالمية لأي سبب كان والتهديدات الأمنية التي قد تطال الصناعة النفطية". وأشار عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب إلى قلة الموارد الضريبية بشكليها المباشر وغير المباشر، وهذه علامة مميزة للنماذج الاقتصادية البالية؛ الا ان امكانية واعدة قد توفر الآن لمصدر جديد من خلال العائد الناجم عن ضريبة خدمة الهاتف النقال، اما دخل الدولة من الرسوم (التعرفة) الكمركية فليس له شأن يذكر.. اذ ان الدولة عجزت عن تطبيق ضريبة اعادة الاعمار المقررة رسميا منذ فترة والبالغة نسبة 10% على الاستيرادات ما ألحق ضررا بلوحة الموارد المالية للدولة. وتابع الحافظ "شيوع ظاهرة الترهل والبطالة المقنعة في الجهازالحكومي وضعف كفاءته.. فضلا عن تنامي حالة الفساد والهدر وتبديد الموارد تحت عناوين عديدة بمعزل عن رقابة جدية وضوابط صارمة، بالاضافة إلى ذلك ليس من المبرر اقتصاديا وشعبيا الاستمرار في رصد موارد غير قليلة لأغراض معينة كفقرة المنافع الاجتماعية لتخصيصات مفتوحة لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب وجهات رسمية اخرى والتي تفتقر لتعريف وضوابط وشروط واضحة مما يثقل لوحة الانفاق العام بأعباء جديدة كما يثير الشك في جدوى وسلامة هذه المجالات". وذكر في دراسته انه لمن الضروري التوقف بدقة عند النفقات المتمثلة بالموازنة الاستثمارية فهذا الامر الآخر بحاجة إلى وقفة وإعادة تقييم في ضوء الظروف الراهنة في البلاد وتجربة السنوات الاخيرة، فليس من السهل تفهم المبررات المعطاة لزيادة حصة الموازنة الاستثمارية بحيث اصبحت تنيف عن 13 بليون دولار من مجموع نفقات الموازنة البالغة 48 بليون دولار". وقال الحافظ إن "المنهج المتبع في توزيع التخصيصات الاستثمارية تحت عناوين المشاريع الاستراتيجية وتنمية الاقاليم والمحافظات يؤدي إلى اضعاف الحصيلة الاجمالية وفقا لاستراتيجية التنمية الوطنية المقرة رسميا، وهو اتجاه يعكس نظرة سياسية تجزيئية ناجمة عن دوافع جهوية ضيقة وذات اهتمامات ذاتية مناطقية غير مبررة من شأنها ان تعود بالضرر على التوجه الانمائي المشترك". وأضاف "دفع التعويضات المرتبطة بما يسمى بحرب الكويت كما هو وارد في مشروع الموازنة لسنة 2008 ويقدر المبلغ الواجب دفعه في 2009 ما يقرب من 2 مليار دولار اي ما يساوي 5% من عوائد الصادرات النفطية لهذه السنة كما تفرضه قرارات مجلس الامن الدولي ويتعين على العراق بموجب هذه القرارات ان يستمر في السنوات القادمة في دفع هذه النسبة بصرف النظر عن حجم الصادرات النفطية بما يؤمن تسوية قيمة الطلبات المتبقية والبالغة نحو 30 مليار دولار، بعد ان قام العراق خلال 2006 و 2007 بدفع نحو 23 مليار دولار لحد 2008 والمعروف ان هذه المبالغ الضخمة الواجب دفعها فرضتها قرارات اللجنة الدولية للتعويضات التابعة لمجلس الأمن التي تأسست عام 1991 للنظر في الطلبات والادعاءات المترتبة على حرب الخليج الاولى آنذاك (حرب غزو الكويت والتدخل الدولي الذي اعقبها). وتعود هذه الطلبات لجهات رسمية وغير رسمية من الكويت ودول الخليج وبعض الدول العربية سواها، وبالاضافة إلى ذلك يتحمل العراق تكاليف سكرتارية صندوق التعويضات من رواتب ومخصصات ونفقات ادارية وهي تمارس اعمالها من جنيف في سويسرا إلى حين الانتهاء من دفع المبالغ كاملة". واضاف وزير التخطيط السابق خلال دراسته المطولة أن "عدم وجود سياسة واضحة للدولة لدعم القطاع الخاص وتطوير مساهمته في التنمية الوطنية على الرغم من الدعوة لبناء اقتصاد سوق حرة يقودها القطاع الخاص ولا تتوفر معطيات مهمة في الموازنة لتحقيق هذا الهدف، اما السياسة النقدية للدولة التي ينتهجها البنك المركزي العراقي الموصوفة بالانكماش Tightening والقائمة على التداخل في رفع سعر الفائدة فقد ألحقت ضررا بالقطاع الخاص وأعاقته عن لعب الدور المنشود في الحياة الاقتصادية بالمستوى المطلوب".
وخلص الحافظ إلى القول انه "لابد لمعالجة الوضع الاقتصادي ان تتم معالجة مجالات أخرى اهمها : ترسيخ حكم القانون والقضاء العادل والنزيه والتمهيد لإنهاء الوجود والنفوذ الاجنبي، وهي مهمات تأخذ الموقع الاهم في سلم الاوليات الوطنية سواء بالنسبة لصياغة وتنفيذ موازنة سليمة للدولة بل ولمعالجة اوجه الخلل في الاقتصاد العراقي والتخلص من العوامل المعيقة لإصلاحه وتنويعه على نحو يحقق الاهداف المرجوة وإنقاذ الشعب من الصعوبات والمعاناة التي يعيشها على جميع المستويات".
اما الاقتصادي حسام القاضي فيقول: التنمية الصناعية او (عملية التصنيع) تعني فيما تعنيه التوسع الصناعي باقامة المشروعات الصناعية الجديدة او التوسع في تطوير المشروعات القائمة وان ذلك ينطوي على الكثير من الجوانب الايجابية للاقتصاد العراقي وفي هذه المرحلة بالذات إذ تؤدي الى الاحتفاظ بالموارد المالية من العملات الاجنبية وتلافي الاختناقات الناجمة عن صعوبة توفير هذه الاموال في ظل انخفاض وتذبذب اسعار النفط وعجز الموازنة العامة. ومن فوائد عملية التصنيع انها ستسهم في انعاش وتنمية الناتج القومي وتنويعه وزيادة الدخل القومي واعادة توزيعه وما يتبعه من زيادة نصيب الطبقة العاملة منه ورفع مستوى معيشتها والحد من ظاهرة البطالة اضافة الى تضييق الفجوة في الظروف الانتاجية بين العراق والدول المتقدمة صناعيا وبالتالي معالجة الانحرافات الهيكلية القائمة في الاقتصاد العراقي من خلال الدور الذي سيحتله التصنيع في عملية البناء الاقتصادي والاجتماعي وكذلك تاثيرات عملية التصنيع على الجانب السياسي الذي سيؤدي الى تخطي اسباب التبعية الاقتصادية والسياسيه للدول المتقدمة والحد من تدخلات واملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتكريس القرار السياسي المستقل للبلد من خلال اعتماده على امكانياته الاقتصادية الذاتية. اما الاجابة على السؤال الذي يتعلق بمن هو الخاسر ومن هو المستفيد من اهمال الصناعة العراقية فان الخسائر الكبيرة التي سيدفعها الاقتصاد العراقي والمجتمع العراقي والمنتجين الصناعيين يمكن تشخيصها بكل وضوح فان استمرار غياب التصنيع يعني استمرار ظاهرة التخلف الاقتصادي حيث ان من ضمن المقاييس العديدة التي يعتمدها ويحددها بعض المفكرين الاقتصاديين لمدى تقدم الدول ورقيها يتم من خلال التعرف على مدى تقدم صناعتها الوطنية ومساهمتها في اجمالي الناتج المحلي وقدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي والوصول الى مرحلة التصدير كذلك فان الاعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل والذين يمكن استثمار طاقاتهم واختصاصاتهم المختلفة في القطاع الصناعي يعتبرون من اكبر الخاسرين فان الترهل والتضخم الوظيفي في قطاع الحكومي وعجزه عن استيعاب المزيد من العاملين والذي يعاني من ظاهرة البطالة المقنعة لذلك فاننا بحاجة ماسة الى حراك حقيقي في عملية التصنيع لاستيعاب هذه الطاقات. ان الصناعة العراقية في القطاعين العام والخاص والتي ادى اهمالها الى انهاك بناها الارتكازية وانهاء الدور الذي يمكن ان تلعبه في عملية التنمية الاقتصادية لغياب الدعم وتوفير المستلزمات الضرورية لاعادتها الى اوضاعها الطبيعية التي كانت عليها سابقا تمهيدا للوصول بها الى مرحلة متقدمة وادخال الاساليب التكنولوجية المتقدمة في العملية الانتاجية وتمكينها من ان تكون ندا ومنافسا قويا لمنتجات الدول الاخرى التي اغرقت منتجاتها اسواقنا بشكل كبير بالرغم من رداءة الكثير من نوعياتها وتبني البعض من هذه الدول لسياسة الاغراق لتحييد واخراج الصناعة العراقية من القدرة على المنافسة مع منتجاتها وكذلك غياب التشريعات والقوانين التي يمكن ان توفر الحماية وبجميع اشكالها للصناعات القادرة فعلا على اشباع الحاجة المحلية من الناحية الكمية والنوعية وقد تضرر من جراء ذلك الكثير من الصناعيين في القطاع الخاص الذين فقدوا معاملهم وقدرتهم على استعادة دورهم في العملية الانتاجية ورفد السوق المحلية بالسلع الاستهلاكية المختلفة. كما أدى ذلك الى فقدان الثقة من قبل المستثمرين في الداخل والخارج في مجمل الاوضاع التي يمكن ان تشكل مناخاً ملائماً لولوج الاستثمار في الصناعات المختلفة .
اعداد : الملف برس
المصدر : الملف برس - الكاتب:
|
| شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم |
| الرجاء إرسال تعليقك: |
|
|