|
شؤون سياسية - 05/03/2008 - 5:40 pm 
بغداد – الملف برس – كتب المحلل السياسي
طبقا لكل التوقعات والتحليلات فان زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للعراق والتي وصفت بانها زيارة ( تاريخية ) نجحت في فرض ما تريد فرضه طهران على الحكومة العراقية من املاءات وان بدت اقتصادية الشكل الا انها سياسية المحتوى ونجحت في رفض ما يريده العراقيون ازاء ملفات حاسمة بالنسبة لهم مثل اتفاقية الجزائر وترسيم الحدود والحقول النفطية المشتركة وغيرها من امور هامة عراقيا لم يجر بحثها لا من قريب ولا من بعيد . واذا كانت تاريخية الزيارة تاتي من واقع المدلولات السياسية كونها اول زيارة لرئيس ايراني للعراق التي خاضت مع ايران حرب الثماني سنوات في ثمانينيات القرن العشرين فانها تتخطى البعد لتدخل في اكثر الابعاد اهمية وهي توصيف الزيارة سياسيا في ضوء ما جرى في العراق بعد التاسع من نيسان عام 2003 وما بعده .
الا ان الاهم هو ان الزيارة تجئ في وقت تبدو فيه العلاقة العراقية ــ الايرانية شديدة الالتباس بسبب الاصطفاف الطائفي مرة وبسبب طبيعة العلاقة الاميركية ــ الايرانية مرة اخرى . من هذه الزاوية فان قيام رئيس ايراني بزيارة العراق في ظل كل هذا الوضع الملتبس تعني انجازا كبيرا للدبلوماسية الايرانية . فطهران اخترقت عبر هذه الزيارة المنظومتين العربية والاميركية معا . وخلالها قام الرئيس الايراني بارسال المزيد من الرسائل المشفرة لاعدائه الاميركان . وبينما لم يوجه الرئيس نجاد اي رسالة معلنة للعرب فان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تكفل بارسالها بالنيابة عنه حين دعا العرب الى القيام بخطوات مماثلة مثل ايران تجاه العراق .
لكن اذا كانت رسالة نجاد للاميركيين شديدة الوضوح وقوامها ارحلوا عن العراق وان الشعب العراقي لا يحبكم والتي تعني بحكم واقع الحال اننا جاهزون لملء الفراغ الذي قد تتركونه فان رسالة المالكي للعرب تبدو ذات مدلول مختلف لعل ابرز ما فيه انه لم يعد مهما ان تاتون او لا . ولعل الاهم ايضا في رسالة المالكي هي انها تجئ في وقت يستعد فيه العرب لعقد مؤتمرهم البرلماني في العراق ( في مدينة اربيل العراقية ) وفي وقت تستعد فيه الجامعة العربية الى تنظيم مؤتمر للمصالحة الشهر القادم مدعوم عربيا .
غياب وحضور
غير ان الواقع هي ان هناك اسبابا عديدة لذلك منها ان ايران تعاملت مع العراق بعد سقوط النظام السابق بعكس ما تعامل العرب معه . فايران ايدت منذ البدء العملية السياسية في العراق منذ زمن مجلس الحكم بينما اعلنت رفضها لما تسميه رسميا واعلاميا الاحتلال الاميركي للعراق . بل وتدعو القوات الاميركية التي تصفها بالقوات الغازية الى الانسحاب من العراق باسرع وقت ممكن .
في حين ان الموقف العربي المؤيد للاميركان لاسيما الدول العربية المؤثرة مثل مصر والسعودية والاردن ودول الخليج بدا متحفظا او غير راض عن العملية السياسية الجارية في العراق . وفي الوقت الذي يعد فيه السفير الايراني اقوى سفير دولة اجنبية في العراق بعد السفير الاميركي من حيث اتساع نطاق النفوذ فان الدول العربية التي سبق لبعضها ان ارسلت سفراء عادت وسحبتهم تحت هذه الحجة او تلك . كما ان العرب الرافضين للعملية السياسية او المتحفظين منها ليسوا مؤيدين لاي انسحاب اميركي سريع مع العراق . وبذلك فان موقفهم منسجم مع موقف الحكومة العراقية التي لا تحتفظ باية علاقة متميزة مع اي دولة عربية. بيد ان موقف الحكومة الايرانية التي تحتفط بعلاقة قوية مع الحكومة العراقية غير منسجم مع موقفها تجاه الوجود الاميركي في العراق .
معادلة غريبة
نحن اذن ازاء معادلة غريبة بعض الشئ .. ففي الوقت الذي يؤيد فيه العرب الاميركان فان الايرانيين يعارضونهم وبينما يعارض الايرانيون الاميركان فانهم يؤيدون ما ترتب على اسقاط النظام العراقي السابق بما في ذلك تاييدهم للانتخابات التي جرت وتشكيل الحكومة والبرلمان وغيرها من المؤسسات الرسمية في العراق .
ان المراقب السياسي لا يجد نفسه في دوامة حين يريد تفسير سبب اختلال هذه المعادلة . فالتظاهرات التي اندلعت في مناطق غربي العراق , بالاضافة الى اسلوب تعامل الاعلام العربي مع زيارة احمدي نجاد للعراق في مقابل الترحيب به في المناطق الجنوبية من البلاد برغم عدم خروج مظاهرات مؤيدة بل ان وسائل الاعلام المسيطر عليها من قبل الاحزاب والقوى السياسية والدينية هناك عكست موقفا زاد من اختلال المعادلة العراقية الى الحد الذي بدانا نشعر ان هناك اصطفافا طائفيا جديدا في العراق نشا عقب زيارة الرئيس الايراني . وخلاصة الامر ان العرب السنة بدوا رافضين للزيارة بينما ايدها الشيعة في حين كان موقف الاكراد من الزيارة موقفا متوازنا يعكس رغبتهم وطموحهم في بناء علاقات متوازنة مع كل دول الجوار والدول العربية والاقليمية في المنطقة فضلا عن احتفاظهم بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة الاميركية . لذلك فان الرئيس الايراني حرص خلال زيارته على بناء نموذج جديد للعلاقة المستقبلية بين العراق وايران التي تتخطى مجرد البعد الدبلوماسي وذلك من خلال الوفد الضخم الاقتصادي والتجاري الذي جلبه معه حيث جرى التوقيع على عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم .
وهذا يعني ان الايرانيين لم يعودوا بحاجة الى الاميركان على مستوى الوضع العراقي مما يعني ان الولايات المتحدة هي التي صار يتعين عليها تقديم تنازلات للجمهورية الاسلامية , وعربيا فانه بات يصعب على اي دولة عربية ان تتمكن من اللحاق بالمستوى الذي بلغته العلاقات بين بغداد وطهران وهو ما جعل القادة العراقيين لاسيما الشيعة منهم يوجهون اقسى عبارات اللوم للعرب وكانهم يقولون لهم ان القطار قد فاتكم .اما طهران فانها اثبتت مقدرة فائقة على اللعب على حبل التوزانات بين عرب مع اميركا ضد بغداد وبين عداوة ايرانية لاميركا وصداقة مع بغداد .
المصدر : الملف برس - الكاتب: الملف برس
|
| شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم |
| الرجاء إرسال تعليقك: |
|
|